السبت 06 حزيران 2020






كلمة رئيس مجلس الخدمة المدنية معالي الدكتور خالد قباني
في المؤتمر العربي الأول للخدمة المدنية
تحت عنوان الخدمة المدنية في بيئة متجددة
في الأردن في 15 و 16 أيار 2012

الدور المتجدد للخدمة المدنية




لعل مفهوم الوظيفة العامة وما يمثله من أبعاد إنمائية واقتصادية وإجتماعية وسياسية ، ومن تحريك عجلة الدولة والدورة الاقتصادية لا يزال بعيداً عن الإدراك العام ، ويتم التعامل مع الوظيفة العامة ، وكأنها متاع أو وسيلة للعيش والعمل ، وفي كثير من الأحيان ، للسلطة أو النفوذ .

كما وأن نظرة المجتمع إلى الموظف بحسب العقلية والذهنية السائدة ، والتعامل معه ، لم ترتق بعد إلى مستوى التقدير والاحترام الذي يستحقه كعامل نشط في حقل الخدمة العامة ، لغياب مفهوم الخدمة العامة عن ثقافتنا العامة ، بما ينعكس على موقعه في السلم الاجتماعي ومن ثم على دوره في الحياة العامة ، وفقاً لقيم هذا المجتمع .

ولم يزل التصرف في الإدارات العامة والمؤسسات العامة ، من قبل بعض ممن يتولون المسؤولية ، وكأنها اقطاعات للطوائف أو للعشائر والأحزاب والقوى السياسية ، بل مقتنيات ، يتم تقاسمها ، بالتوافق طبعاً ، ومن ثم استتباعها ، والتصرف بها ، بعيداً عن مفهوم الخدمة العامة ، والمصلحة العامة ، وما يتضمنه مفهوم المرفق العام ، من احترام لمبدأ المساواة بين المواطنيـن ، وبما يعني التعامل مع الأفراد ، باعتبارهم مواطنين ، ينتمون إلى دولة قانون ومؤسسات .

ولم يتم بعد مقاربة مفهوم دولة القانون ، بما ينطوي عليه من خضوع الحكام والمحكومين ، في تصرفاتهم وسلوكهم وكل أعمالهم إلى احكام القانون ، واحترام القاعدة القانونية ، وتطبيقها ، وعدم الخروج عليها ، أو التباهي في الخروج على أحكام الدستور والقوانين ، واعتبار ذلك مصدر قوة ومدعاة افتخار .

ولم يتم التوصل بعد ، إلى تحييد الإدارة عن السياسة ، وإبعادها عن الصراعات والنـزاعات السياسية ، بل تستخدم الإدارة كسلاح وأداة استقواء في هذه الصراعات والنـزاعات ، ويزج الموظفون والمواطنون في أتونها ونارها ، فتقع الإدارة فريستها وأولى ضحاياها .

المشكلة أن لا فصل بين السلطات ، ولا فواصل بين الدولة والأشخاص ، ولا مسافة بين المؤسسة والمسؤول ، ولا مساحة بين الإدارة ومن يتولى شؤونها ، ولا تمايز بين الأشياء ، ولا وجود لثقافة المساءلة والمحاسبة ، بل خلط ومزج لا يدرك معه الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولا الغث من السمين .

ليست الوظيفة العامة سلماً للارتقاء الاجتماعي أو للتسلط أو ممارسة النفوذ أو الإثراء . إنها عمل يرتقي فيه المواطن إلى أسمى درجات العطاء العام . الوظيفة العامة تعني الخدمة العامة ، الخدمة المجردة من الأهواء والنوازع ، الخدمة المنّـزهة عن الإطماع ، خدمة الناس والمواطنين ، والسهر على حاجاتهم ومصالحهم ، وتوفير الأمن والسلامة والسكينة لهم .

أن تكون موظفاً عاماً ، يعني أن تكون في خدمة الناس ، جميع الناس ، فكل من وليَّ عملاً عاماً هو موظف في خدمة الدولة ، يتساوى في ذلك الجميع ، سواء أكان رئيساً أو وزيراً أو مديراً أو في أي منصب عام ، وقديماً قيل : « سيد القوم خادمهم » .

أن تكون موظفاً في الدولة ، يعني أن تحظى بشرف الانتساب إلى الدولة ، وأن تكون أميناً على الخدمة العامة ، أن تحرص على المصلحة العامة وتسهر على الشأن العام .

أن تكون عاملاً في مرفق عام ، يعني أن تكون مسؤولاً ، والمسؤولية أمانة وليست جاهاً أو حظوةً أو تسلطاً على الناس ، فالسلطة التي أناطها بك القانون ، يعني أن تمارسها في حدود القانون لا خروجاً عنه ، وأن تستعملها في خدمة المواطن .

أن تكون موظفاً ، يعني بالأولولية أن تكون مواطناً ، تنتسب وتنتمي إلى وطن ودولة ، يعني أن تحترم القانون وتخضع له وتعمل بهديه ووفقاً لنصوصه ، وألا تتجاوز على أحكامه ، وأن لا تستخدمه بما يضر الناس أو يسيء إليهم .

لم نرتق ، بعد ، إلى هذا المستوى من الثقافة لمفهوم الدولة ، ولمفهوم الوظيفة العامة ، والخدمة العامة ، ولمفهوم المواطنة ، ولمفهوم الشأن الخاص والشأن العام Res Publica ، ( الشيء العام La chose publique ) وما يستلزمه هذا التمييز من فصل بين الشأن الخاص والشأن العام ، ولمفهوم السياسة ومعناها ، وما تنطوي عليه السياسة من أبعاد ، ليس أقلها تدبير شؤون الناس .

من هذا المنطلق ، يجب أن نسعى لأن تكون الإدارة حيادية ونزيهة وشفافة ، أن تكون خلاقة ومبدعة ورائدة ، نحن نسعى إلى استعادة دور المؤسسات ، كما نسعى أن نحيد الإدارة عن السياسة . يجب أن تبقى الإدارة ثابتة على خطها ونهجها وطريقها المستقيم ، أياً كانت المتغيرات والتقلبات السياسية ، بحيث تشكل حماية وضمانة لمصالح المواطنين وحقوقهم وللمصلحة العامة .

نريد إدارة حديثة متطورة تشكل ركيزة للحكم وأداة فاعلة ومنتجة ، قادرة على مواكبة التطورات والمستجدات والمتغيرات ، ومؤهلة لمنافسة القطاع الخاص ومحاكاة العصر ، ومهيأة لاستعمال وسائل التكنولوجيا الحديثة ، وتزخر بالكفاءات والقدرات التي تستطيع أن تتلاءم وأن تتكيف مع متطلبات الحياة ومستلزماتها ، وتلبي حاجات الدولة والمجتمع، كما يقتضي التزام الإدارة بإحترام القانون والعمل بموجب أحكامه ، واعتماد أسلوب التعيين عن طريق إجراء مباريات تتسم بالنـزاهة والشفافية والموضوعية على أساس المساواة والمنافسة وتكافؤ الفرص ، بحيث يكون ديوان أو مجلس الخدمة المدنية الحامي والضامن لحقوق أصحاب الكفاءات والاختصاص ، بما يجنبهم اللجوء إلى الوساطة ويحررهم من الاستزلام ، ويؤمن للإدارة عناصر قادرة على تسيير عجلة الدولة ، ويعزز استقلالية الإدارة ، وابعاد تأثير السياسة عنها ، نظراً لأهمية ودور الموارد البشرية في التنمية الإدارية ، والعناية بتكنولوجيا المعلومات في عمل الإدارات العامة تمهيداً لتنفيذ مشروع الحكومة الإلكترونية ، دون أن ننسى ما تتعرض له الوظيفة العامة من تحديات لا بد من مواجهتها بإيجاد الحلول المناسبة ، ولعل في طليعتها التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر على كرامة الوظيفة العامة وعلى ولاء الموظف للدولة ومعالجة مسألة الفساد في الإدارة ، مما يتطلب نظرة مختلفة للرواتب والأجور والحوافز الوظيفية ، لكي تتلاءم مع الأوضاع المعيشية والحياتية التي تضغط على كاهل الموظف وتنعكس سلباً على الأداء العام .

وسيتم معالجة هذه المواضيع من خلال ورقات أربع هي :

- « تجربة الأردن في تفعيل مدونة السلوك الوظيفي » .
- « استراتيجية إدارة وتنمية المسار الوظيفي في القطاع الحكومي » .
- « واقع سياسة الاختيار والتعيين وأثرها على الإحلال والتعاقب الوظيفي » .
- « تحليل لأداء مصر والدول العربية في مؤشري الحكومة الإلكترونية والاستعداد التقني والإلكتروني » .