الاربعاء 16 تشرين الأول 2019






كلمة رئيس مجلس الخدمة المدنية معالي الدكتور خالد قباني
في المؤتمر العربي الأول للخدمة المدنية
تحت عنوان الخدمة المدنية في بيئة متجددة
في الأردن في 15 و 16 أيار 2012

الدور المتجدد للخدمة المدنية




لعل مفهوم الوظيفة العامة وما يمثله من أبعاد إنمائية واقتصادية وإجتماعية وسياسية ، ومن تحريك عجلة الدولة والدورة الاقتصادية لا يزال بعيداً عن الإدراك العام ، ويتم التعامل مع الوظيفة العامة ، وكأنها متاع أو وسيلة للعيش والعمل ، وفي كثير من الأحيان ، للسلطة أو النفوذ .

كما وأن نظرة المجتمع إلى الموظف بحسب العقلية والذهنية السائدة ، والتعامل معه ، لم ترتق بعد إلى مستوى التقدير والاحترام الذي يستحقه كعامل نشط في حقل الخدمة العامة ، لغياب مفهوم الخدمة العامة عن ثقافتنا العامة ، بما ينعكس على موقعه في السلم الاجتماعي ومن ثم على دوره في الحياة العامة ، وفقاً لقيم هذا المجتمع .

ولم يزل التصرف في الإدارات العامة والمؤسسات العامة ، من قبل بعض ممن يتولون المسؤولية ، وكأنها اقطاعات للطوائف أو للعشائر والأحزاب والقوى السياسية ، بل مقتنيات ، يتم تقاسمها ، بالتوافق طبعاً ، ومن ثم استتباعها ، والتصرف بها ، بعيداً عن مفهوم الخدمة العامة ، والمصلحة العامة ، وما يتضمنه مفهوم المرفق العام ، من احترام لمبدأ المساواة بين المواطنيـن ، وبما يعني التعامل مع الأفراد ، باعتبارهم مواطنين ، ينتمون إلى دولة قانون ومؤسسات .

ولم يتم بعد مقاربة مفهوم دولة القانون ، بما ينطوي عليه من خضوع الحكام والمحكومين ، في تصرفاتهم وسلوكهم وكل أعمالهم إلى احكام القانون ، واحترام القاعدة القانونية ، وتطبيقها ، وعدم الخروج عليها ، أو التباهي في الخروج على أحكام الدستور والقوانين ، واعتبار ذلك مصدر قوة ومدعاة افتخار .

ولم يتم التوصل بعد ، إلى تحييد الإدارة عن السياسة ، وإبعادها عن الصراعات والنـزاعات السياسية ، بل تستخدم الإدارة كسلاح وأداة استقواء في هذه الصراعات والنـزاعات ، ويزج الموظفون والمواطنون في أتونها ونارها ، فتقع الإدارة فريستها وأولى ضحاياها .

المشكلة أن لا فصل بين السلطات ، ولا فواصل بين الدولة والأشخاص ، ولا مسافة بين المؤسسة والمسؤول ، ولا مساحة بين الإدارة ومن يتولى شؤونها ، ولا تمايز بين الأشياء ، ولا وجود لثقافة المساءلة والمحاسبة ، بل خلط ومزج لا يدرك معه الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولا الغث من السمين .

ليست الوظيفة العامة سلماً للارتقاء الاجتماعي أو للتسلط أو ممارسة النفوذ أو الإثراء . إنها عمل يرتقي فيه المواطن إلى أسمى درجات العطاء العام . الوظيفة العامة تعني الخدمة العامة ، الخدمة المجردة من الأهواء والنوازع ، الخدمة المنّـزهة عن الإطماع ، خدمة الناس والمواطنين ، والسهر على حاجاتهم ومصالحهم ، وتوفير الأمن والسلامة والسكينة لهم .

أن تكون موظفاً عاماً ، يعني أن تكون في خدمة الناس ، جميع الناس ، فكل من وليَّ عملاً عاماً هو موظف في خدمة الدولة ، يتساوى في ذلك الجميع ، سواء أكان رئيساً أو وزيراً أو مديراً أو في أي منصب عام ، وقديماً قيل : « سيد القوم خادمهم » .

أن تكون موظفاً في الدولة ، يعني أن تحظى بشرف الانتساب إلى الدولة ، وأن تكون أميناً على الخدمة العامة ، أن تحرص على المصلحة العامة وتسهر على الشأن العام .

أن تكون عاملاً في مرفق عام ، يعني أن تكون مسؤولاً ، والمسؤولية أمانة وليست جاهاً أو حظوةً أو تسلطاً على الناس ، فالسلطة التي أناطها بك القانون ، يعني أن تمارسها في حدود القانون لا خروجاً عنه ، وأن تستعملها في خدمة المواطن .

أن تكون موظفاً ، يعني بالأولولية أن تكون مواطناً ، تنتسب وتنتمي إلى وطن ودولة ، يعني أن تحترم القانون وتخضع له وتعمل بهديه ووفقاً لنصوصه ، وألا تتجاوز على أحكامه ، وأن لا تستخدمه بما يضر الناس أو يسيء إليهم .

لم نرتق ، بعد ، إلى هذا المستوى من الثقافة لمفهوم الدولة ، ولمفهوم الوظيفة العامة ، والخدمة العامة ، ولمفهوم المواطنة ، ولمفهوم الشأن الخاص والشأن العام Res Publica ، ( الشيء العام La chose publique ) وما يستلزمه هذا التمييز من فصل بين الشأن الخاص والشأن العام ، ولمفهوم السياسة ومعناها ، وما تنطوي عليه السياسة من أبعاد ، ليس أقلها تدبير شؤون الناس .

من هذا المنطلق ، يجب أن نسعى لأن تكون الإدارة حيادية ونزيهة وشفافة ، أن تكون خلاقة ومبدعة ورائدة ، نحن نسعى إلى استعادة دور المؤسسات ، كما نسعى أن نحيد الإدارة عن السياسة . يجب أن تبقى الإدارة ثابتة على خطها ونهجها وطريقها المستقيم ، أياً كانت المتغيرات والتقلبات السياسية ، بحيث تشكل حماية وضمانة لمصالح المواطنين وحقوقهم وللمصلحة العامة .

نريد إدارة حديثة متطورة تشكل ركيزة للحكم وأداة فاعلة ومنتجة ، قادرة على مواكبة التطورات والمستجدات والمتغيرات ، ومؤهلة لمنافسة القطاع الخاص ومحاكاة العصر ، ومهيأة لاستعمال وسائل التكنولوجيا الحديثة ، وتزخر بالكفاءات والقدرات التي تستطيع أن تتلاءم وأن تتكيف مع متطلبات الحياة ومستلزماتها ، وتلبي حاجات الدولة والمجتمع، كما يقتضي التزام الإدارة بإحترام القانون والعمل بموجب أحكامه ، واعتماد أسلوب التعيين عن طريق إجراء مباريات تتسم بالنـزاهة والشفافية والموضوعية على أساس المساواة والمنافسة وتكافؤ الفرص ، بحيث يكون ديوان أو مجلس الخدمة المدنية الحامي والضامن لحقوق أصحاب الكفاءات والاختصاص ، بما يجنبهم اللجوء إلى الوساطة ويحررهم من الاستزلام ، ويؤمن للإدارة عناصر قادرة على تسيير عجلة الدولة ، ويعزز استقلالية الإدارة ، وابعاد تأثير السياسة عنها ، نظراً لأهمية ودور الموارد البشرية في التنمية الإدارية ، والعناية بتكنولوجيا المعلومات في عمل الإدارات العامة تمهيداً لتنفيذ مشروع الحكومة الإلكترونية ، دون أن ننسى ما تتعرض له الوظيفة العامة من تحديات لا بد من مواجهتها بإيجاد الحلول المناسبة ، ولعل في طليعتها التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر على كرامة الوظيفة العامة وعلى ولاء الموظف للدولة ومعالجة مسألة الفساد في الإدارة ، مما يتطلب نظرة مختلفة للرواتب والأجور والحوافز الوظيفية ، لكي تتلاءم مع الأوضاع المعيشية والحياتية التي تضغط على كاهل الموظف وتنعكس سلباً على الأداء العام .

وسيتم معالجة هذه المواضيع من خلال ورقات أربع هي :

- « تجربة الأردن في تفعيل مدونة السلوك الوظيفي » .
- « استراتيجية إدارة وتنمية المسار الوظيفي في القطاع الحكومي » .
- « واقع سياسة الاختيار والتعيين وأثرها على الإحلال والتعاقب الوظيفي » .
- « تحليل لأداء مصر والدول العربية في مؤشري الحكومة الإلكترونية والاستعداد التقني والإلكتروني » .