الاربعاء 26 تموز 2017






كلمة رئيس مجلس الخدمة المدنية الدكتور خالد قباني


(تقرير أعمال مجلس الخدمة المدنية عن سنة 2010 )



لعل مفهوم الوظيفة العامة في لبنان وما تمثله من أبعاد إنمائية وحياتية وإجتماعية وإنسانية ، ومن تحريك عجلة الدولة والدورة الاقتصادية لا يزال بعيداً عن الإدراك العام ، ويتم التعامل معها ، وكأنها متاع أو وسيلة للعيش والعمل ، وفي كثير من الأحيان ، للسلطة أو النفوذ .

كما وأن نظرة المجتمع إلى الموظف بحسب العقلية والذهنية السائدة ، والتعامل معه ، لم ترتق بعد إلى مستوى التقدير والاحترام الذي يستحقه كعامل نشط في حقل الخدمة العامة ، لغياب مفهوم الخدمة العامة عن ثقافة البلد ، بما ينعكس على موقعه في السلم الاجتماعي ومن ثم على دوره في الحياة العامة ، وفقاً لقيم هذا المجتمع .

ولم يزل التصرف في الإدارات العامة والمؤسسات العامة ، من قبل بعض ممن يتولون المسؤولية ، وكأنها اقطاعات للطوائف والمناطق والأحزاب والقوى السياسية ، بل مقتنيات ، يتم تقاسمها ، بالتوافق طبعاً ، ومن ثم استتباعها ، والتصرف بها ، بعيداً عن مفهوم الخدمة العامة ، والمصلحة العامة ، وما يتضمنه مفهوم المرفق العام ، من احترام لمبدأ المساواة بين المواطنيـن ، وبما يعني التعامل مع اللبنانيين ، باعتبارهم مواطنين ، ينتمون إلى دولة قانون ومؤسسات .

ولم يتم بعد مقاربة مفهوم دولة القانون ، بما ينطوي عليه من خضوع الحكام والمحكومين ، في تصرفاتهم وسلوكهم وكل أعمالهم إلى احكام القانون ، واحترام القاعدة القانونية ، وتطبيقها ، وعدم الخروج عليها ، أو التباهي في الخروج على أحكام الدستور والقوانين ، واعتبار ذلك مصدر قوة ومدعاة افتخار .

ولم يتم التوصل بعد ، إلى تحييد الإدارة عن السياسة ، وإبعادها عن الصراعات والنـزاعات السياسية ، بل تستخدم الإدارة كسلاح وأداة استقواء في هذه الصراعات والنـزاعات ، ويزج الموظفون والمواطنون في أتونها ونارها ، فتقع الإدارة فريستها وأولى ضحاياها .

المشكلة أن لا فصل بين السلطات ، ولا فواصل بين الدولة والأشخاص ، ولا مسافة بين المؤسسة والمسؤول ، ولا مساحة بين الإدارة ومن يتولى شؤونها ، ولا تمايز بين الأشياء ، ولا وجود لثقافة المساءلة والمحاسبة ، بل خليط ومزج ودخان وسحب داكنة ، بحيث لا يدرك الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ولا الغث من السمين .

ليست الوظيفة العامة سلماً للارتقاء الاجتماعي أو للتسلط أو ممارسة النفوذ أو الإثراء . إنها عمل يرتقي فيه المواطن إلى أسمى درجات العطاء العام . الوظيفة العامة تعني الخدمة العامة ، الخدمة المجردة من الأهواء والنوازع ، الخدمة المنّـزهة عن الإطماع ، خدمة الناس والمواطنين ، والسهر على حاجاتهم ومصالحهم ، وتوفير الأمن والسلامة والسكينة لهم .

أن تكون موظفاً في الدولة ، يعني أن تكون في خدمة الناس ، جميع الناس ، فكل من وليَّ عملاً عاماً هو موظف في خدمة الدولة ، يتساوى في ذلك الجميع ، سواء أكان رئيساً أو وزيراً أو مديراً أو في أي منصب عام ، وقديماً قيل : « سيد القوم خادمهم » .

أن تكون في خدمة اللبنانيين ، جميع اللبنانيين ، لا في خدمة طائفة أو منطقة أو فئة أو حزب أو جهة سياسية ، فتفقد حريتك وما تنطوي عليه الحرية من كرامة ...

أن تكون موظفاً عاماً ، يعني أن تحظى بشرف الانتساب إلى الدولة ، وأن تكون أميناً على الخدمة العامة ، أن تحرص على المصلحة العامة وتسهر على الشأن العام .

أن تكون عاملاً في الدولة ، يعني أن تكون مسؤولاً ، والمسؤولية أمانة وليست جاهاً أو حظوةً أو تسلطاً على الناس ، فالسلطة التي أناطها بك القانون ، يعني أن تمارسها في حدود القانون لا خروجاً عنه ، وأن تستعملها في خدمة المواطن .

أن تكون موظفاً ، يعني بالأولولية أن تكون مواطناً ، تنتسب وتنتمي إلى وطن ودولة ، يعني أن تحترم القانون وتخضع له وتعمل بهديه ووفقاً لنصوصه ، وألا تتجاوز على أحكامه ، وأن لا تستخدمه بما يضر الناس أو يسيء إليهم .

لم نرتق في لبنان ، بعد ، إلى هذا المستوى من الثقافة لمفهوم الدولة ، ولمفهوم الوظيفة العامة ، والخدمة العامة ، ولمفهوم المواطنية ، ولمفهوم السياسة ومعناها ، وما تنطوي عليه من أبعاد ، ليس أقلها تدبير شؤون الناس ، ولمفهوم الشأن الخاص والشأن العام Res Publica ، ( الشيء العام La chose publique ) وما يستلزمه هذا التمييز من فصل بين الشأن الخاص والشأن العام .

من هذا المنطلق ، نسعى لأن تكون الإدارة حيادية ونزيهة وشفافة ، أن تكون خلاقة ومبدعة ورائدة ، نحن نسعى إلى استعادة دور المؤسسات ، كما نسعى أن نحيد الإدارة عن السياسة ، وأن لا نغرق في دهاليزها ووحولها ، لأن الإدارة تعمل من أجل الناس ، وفي خدمة الناس ، كل الناس ، ولذلك يجب أن لا تتأثر بالأجواء السياسية أو الحزبية أو بالتغيرات والتقلبات السياسية ، فلا يجوز لنا أن ندفع الناس دفعاً وقهراً إلى اللجوء للمراجع أو القوى السياسية وذوي النفوذ للحصول على حقوقهم أو تيسير مصالحهم ، فنسيء إلى أنفسنا وإلى الإدارة ونساهم في إهدار كرامات الناس . يجب أن تبقى الإدارة ثابتة على خطها ونهجها وطريقها المستقيم بحيث تشكل حماية وضمانة لمصالح المواطنين وحقوقهم واستمرار تأمين الخدمات لهم .

ولذلك ، يجب إبعاد السياسة عن الإدارة ، وأن يحرص أهل السياسة على عدم التدخل في الإدارة أو ممارسة أية ضغوطات أو تأثيرات عليها ، بما يمنعها أو يبعدها عن ممارسة دورها الحقيقي ، ألا وهو الخدمة العامة المجردة .

نريد إدارة حديثة متطورة تشكل ركيزة للحكم وأداة فاعلة ومنتجة ، قادرة على مواكبة التطورات والمستجدات والمتغيرات ، ومؤهلة لمنافسة القطاع الخاص ومحاكاة العصر ، ومهيأة لاستعمال وسائل التكنولوجيا الحديثة ، وتزخر بالكفاءات والقدرات التي تستطيع أن تتلاءم وأن تتكيف مع متطلبات الحياة ومستلزماتها ، وتلبي حاجات الدولة والمجتمع.

والإدارة اللبنانية تزخر بالكفاءات المتميزة وبذوي الأخلاق الحميدة ، ولكن هذه الكفاءات ، في معظمها ، إما أنها مغيبة وإما أنها مهمشة ، بفعل السياسات المتبعة ، فتخسر الإدارة طاقاتها المنتجة وتضرب قاعدة الموظف المناسب في المكان المناسب .

هنا بيت القصيد ، وهنا يكمن الجرح النازف في جسم الدولة وفي قلب الإدارة العامة ، وما ينتظر منها من خدمة المواطن وتيسير سبل عيشه والحفاظ على نمط حياته ، وتأمين حاجاته ومصالحه ، والحرص على كرامته واحترامه .

لقد آليت على نفسي ، منذ اللحظة الأولى ، إلتي توليت فيها ، رئاسة مجلس الخدمة المدنية ، وقد زادني ذلك شرفاً ، بعد ما توليت لسنوات خمس متتالية ، مسؤوليات وزارية جسام ، أن أبقي مجلس الخدمة المدنية ، هذه المؤسسة الوطنية التي تتمتع بسمعة وكفاءة عاليه ، بفضل من تولوا رئاستها ، وإدارتها ، على مسافة طويلة من الزمن ، وبفضل موظفيها والعاملين فيها ، الذين يتمتعون بكفاءات علمية وخلقية رفيعة ( يعرف الموظف في مجلس الخدمة المدنية متى يدخل إلى مكتبة في صباح كل يوم ، ولكن لا يعرف متى يخرج منه ) ، حتى باتت قدوة ومثالاً ، آليت أن أبقي مجلس الخدمة المدنية ، محصناً من التدخلات والضغوط ، أياً كانت ومن أية جهة أتت ، وأن يلتزم في أعماله التزاماً كاملاً ، بالحق وأحكام القانون ، وبأن تتسم قراراته والآراء التي يبديها بالعلم والحياد والتجرد والموضوعية ، كما عملت على تحقيق أهداف ثلاثة :
الأول : احترام الإدارات العامة للقانون والأنظمة النافذة في كل أعمالها .
الثاني : حماية حقوق المرشحين للوظيفة العامة ، واعتبار مجلس الخدمة المدنية الضامن والحامي لأصحاب الكفاءة والجدارة، والالتزام بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص والشفافية في المباريات التي يجريها .
الثالثة : تحديث الإدارة وتطويرها وإدخالها عصر تكنولوجيا المعلومات .

وبتواضع أقول ، أننا وفقنا إلى ما سعينا أليه ، أقله في الهدفين الأولين ، لأنننا فهمنا الوظيفة العامة على حقيقتها ، وأدركنا أن الخدمة العامة ، تعني خدمة المواطنين جميعاً ، وخدمة اللبنانيين جميعاً ، بصرف النظر عن هوياتهم السياسية أو الحزبية أو الطائفية أو المناطقية ، وتصرفنا بروح وطنية صرفة ، ما نزعنا الهوية الايمانية من قلوبنا ، ولا الحرية في ما نعتقد ونفكر من وجداننا ، وما نزعنا الهوية الطائفية أو المذهبية عن تذاكر نفوسنا ، ولكن نزعناها ، نعم نزعناها ، عن تصرفاتنا وعن سلوكنا وعن أعمالنا ، ما كنا في خدمة الطوائف ، وما كنا في خدمة المذاهب ، ما كنا في خدمة الأحزاب أو المناطق ، ولا في خدمة القوى السياسية ، على تعددها وانقساماتها الحادة ، على نفوذها ، كنا في خدمة الدولة ، كما يجب أن نكون ، وكما يجب أن يكون عليه الموظف بمفهومه العام ، أي من ولي وظيفة عامة ، رئيساً كان أو وزيراً أو نائباً أو إدارياً أو ... ، كنا في خدمة المواطنين ، كنا في خدمة اللبنانيين ، ومن هنا يبدأ الإصلاح ، وفي هذا يكمن التغيير .

وإنصافاً للحق والحقيقة أقول أيضاً، أننا، بدءاً من شهر آذار 2010 حتى شهر آذار 2011، وخلال هذه السنة التي توليت فيها مسؤولياتي في مجلس الخدمة المدنية، ما واجهنا ولا تعرضنا، لتدخلات أو ضغوط، من أي نوع كانت، ومن أي جهة سياسة أو غير سياسية ، ربما احتراماً منها لهذه المؤسسة القيادية ولدورها وللثقة الكبيرة فيها، ولحرصها على استقلاليتها، كما بثقة وتواضع أقول، ليقينها أيضاًوإطمئنانها، أن باب التدخل في عمل المجلس موصود، وباحترام، ومع حفظ حسن التصرف واللياقات، أمام التدخلات أو المطالبات، أياً كان شكلها أو مرجعها.

إنطلاقاً من هذه العناوين العريضة أو الأهداف ، أي التزام الإدارة بإحترام القانون والعمل بموجب أحكامه ، واعتماد أسلوب التعيين عن طريق إجراء مباريات تتسم بالنـزاهة والشفافية والموضوعية على أساس المساواة والمنافسة وتكافؤ الفرص ، بحيث يكون المجلس الحامي والضامن لحقوق أصحاب الكفاءات والاختصاص ، بما يجنبهم اللجوء إلى الوساطة ويحررهم من الاستزلام ، ويؤمن للإدارة عناصر قادرة على تسيير عجلة الدولة ، ويعزز استقلالية الإدارة ، وابعاد تأثير السياسة عنها ، إنطلاقاً من ذلك بدأ مجلس الخدمة المدنية باعتماد سياسة إصلاحية وتطويرية للمؤسسة من جهة ، ولسائر الإدارات العامة من جهة ثانية ، بالتعاون الوثيق مع وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية ، وأجهزة الرقابة المختلفـة ، وتتلخص هذه السياسة بالقيام بالخطوات التالية :

- وضع مشروع قانون جديد لنظام مجلس الخدمة المدنية : أعد مجلس الخدمة المدنية ، مشروع قانون جديد متكامل يتناول نظام مجلس الخدمة المدنية ، ويواكب المستجدات والتطورات ، في ما يتعلق بمفهوم الوظيفة العامة والإدارة الحديثة ، ويتلاءم مع الدور المطلوب من المجلس على صعيد الرقابة على أعمال الإدارة وتطويرها ومدها بالقيادات الإدارية الرائدة ، بعد مضي أكثر من نصف قرن من الزمن على صدوره في 12 حزيران 1959. ووضع المجلس هذا المشروع بين أيدي لجنة الإدارة والعدل في مجلس النواب كبديل لمشروع القانون الذي عدل بعض مواد نظام المجلس الذي أحالته الحكومة إلى مجلس النواب منذ سنة 2006 . وقد شاركت بإعداد هذا المشروع مختلف وحدات المجلس وساهم في دراسته ومناقشته بعمق المراقبون والمراقبون الأول فيه ، فكان حصيلة عمل جماعي مشترك وبناء ، وتمت مناقشته من قبل لجنة الإدارة والعدل بحضور رئيس المجلس وحضور ممثلين عن كل من وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية ومن إدارة الموظفين وإدارة الأبحاث والتوجيه ، وانتهت اللجنة إلى إقراره تمهيداً لرفعه إلى الهيئة العامة لمجلس النواب للبت به .

ويتسم المشروع بالخصائص الآتية :
- التركيز على أهمية الموارد البشرية في التنمية الإدارية بإحداث إدارة الموارد البشرية بدلاً من إدارة الموظفين تعنى بشؤون الوظيفة العامة وبمهمة الرقابة ووضع الدراسات وإجراء المباريات وشؤون الملفات الشخصية للإدارات والمؤسسات العامة والبلديات الخاضعة للمجلس ، وتشكل مرجعاً لمديريات الموارد البشرية التي يزمع إحداثها في مختلف إدارات الدولة العامة ، كما تتولى التنسيق مع المعهد الوطني للإدارة لجهة إعداد الموظفين وتدريبهم .

- إحداث مصلحة للأبنية والإيجارات في إدارة الأبحاث والتوجيه تتولى تنظيم ملف الإيجارات في القطاع العام وتعزيز ملاكها بمهندسين ومراقبين متخصصين للقيام بهذه المهمة الكبيرة .

- لحظ مصلحة لتكنولوجيا المعلومات التي يفتقر إليها المجلس تكون نواة وحدة معلوماتية متخصصة يناط بها إدارة المعلوماتية ، نظراً لأهمية المعلوماتية في مكننة أعمال المجلس وتطويره واضطلاعه بدوره الشامل لا سيما لجهة ربط الإدارات العامة به تمهيداً لتنفيذ مشروع الحكومة الإلكترونية ، وقد سارع المجلس إلى الطلب من مجلس الوزراء الإجازة له بإجراء مباراة للتعاقد مع متخصصين في المعلوماتية لإدارة هذا المرفق الحيوي والأساسي تعزيزاً لقيام المجلس بدوره في تحديث الإدارة اللبنانية وتطويرها . كما قام بتزويد وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية بلائحة مفصلّة لحاجاته من الأجهزة والتقنيات اللازمة لإدارة المعلوماتية .

ولم يلجأ المجلس إلى توسيع أو تضخيم هيكليته التنظيمية بل اعتمد مفهوم دمج المهام المتجانسة في وحدات إدارية محددة وتزويدها بعناصر متخصصة من المراقبين والإداريين .

وفي ما يلي المخطط المقترح للهيكلية الجديدة لمجلس الخدمة المدنية :

الهيكلية الجديدة لمجلس الخدمة المدنية

- تعزيز دور الإدارات العامة وضبط أعمالها في إطار القانون :

قام المجلس من خلال رقابته على أعمال الإدارة بسياسة تعتمد التـزام الإدارة من جهة باحترام القوانين والأنظمة في كل أعمالها وعدم الخروج عن أحكامها ، كما وترك للإدارة حق المبادرة في وضع مشاريعها ومخططات عملها وإجراء معاملاتها وتصرف تجاهها بمرونة وبما يؤدي إلى تبسيط الإجراءات الإدارية في تعامله معها بحيث لا تغرق الإدارة في الروتين الإداري ، أو تعيق رقابة المجلس أعمالها أو تؤخر البت بمصالح المواطنين وتلبية احتياجاتهم ، فكان لا يكتفي ببيان ملاحظاته على المعاملات أو المشاريع أو الإشارة إلى ما يكتنفها من مخالفات للقانون أو الأنظمة ، بل كان يعمل أيضاً على التوجيه والتصويب والتصحيح وإنارة الإدارة حول كيفية إعداد المشاريع أو صياغة النصوص ، من خلال الكتب والآراء والاستشارات والقرارات التي يصدرها ، وبما يمكن الإدارة من اختصار الإجراءات وعدم الإضطرار إلى إعادة المعاملات نفسها مجدداً إلى مجلس الخدمة المدنية والتي تستهلك الوقت الكثير . كما حرص المجلس على إنجاز المعاملات والمشاريع التي ترده في أقصى سرعة ممكنة ، بعد دراستها دراسة وافية ومعمقة ، على الرغم من أن بعض المعاملات والمشاريع تتطلب تحقيقات إدارية ، تقوم بها إدارة الأبحاث والتوجيه واضطرار مراقبيها إلى زيارة الإدارات المختصة ميدانياً للإطلاع على حاجاتها .

ويُشار في هذا المجال ، إلى أن مجلس الخدمة المدنية قد حث الإدارات العامة على عدم اللجوء إلى إشغال المراكز الشاغرة لديها عن طريق التكليف ، أي بما يخالف أحكام القانون ، نظراً إلى الانعكاسات السلبية على حسن سير العمل في الإدارات ونوعيته ، وطلب العمل على ملء هذه الشواغر ، وفقاً للأصول التي يحددها القانون ، ولا سيما عن طريق مباراة يجريها مجلس الخدمة المدنية . وفي هذا الصدد : في أكثر من قرار أو كتاب ، وليس آخرها كتابه رقم 3165 تاريخ 30 آب 2010، وفي معرض طلب بلدية بيروت إبداء رأيه في ملء بعض الوظائف الشاغرة في بلدية بيروت عن طريق التعاقد ودون إجراء مباراة ، أكد المجلس ، أن الأنظمة النافذة في بلدية بيروت لا تجيز من جهة إشغال المراكز الشاغرة في الوظائف الملحوظة في الملاك عن طريق التعاقد ، وأن ملء هذه الوظائف من جهة ثانية ، يتم عن طريق مباريات يجريها مجلس الخدمة المدنية .

- الحرص على إجراء مباريات شفافة ونزيهة على أساس الكفاءة والجدارة :

أ – لقد عمل المجلس على إحاطة المباريات التي يجريها للتعيين في الوظيفة العامة بالتدابير والقواعد التي تحمي حق المواطن بالترشح والاشتراك في المباريات ، فضلاً عن أحكام القوانين والأنظمة التي تحدد الشروط العامة والخاصة المتعلقة بها . ومن ذلك التشدد في تعيين اللجان الفاحصة واختيار العناصر المتميزة بالاختصاص والكفاءة والمشهود لها بالسمعة والأخلاق والحياد والموضوعية ، كما حرص على وضع أنظمة للمباريات ومعايير مسبقة للمسابقات وإعلان النتائج والسهر على الاحترام المطلق لتراتبية النجاح .

ب – ومما يجب التأكيد عليه ، أن المجلس لم يفهم دوره ، وبالتالي رقابته ، بأنه دور سلبي يكتفي بإبداء الآراء أو الملاحظات ، بل لعب دوراً إيجابياً متقدماً ، باعتباره أميناً على تطبيق أحكام القانون المتعلقة بالوظيفة العامة ، وبالقواعد التي تصون شفافية المباريات ، ومن ثم التعيينات في الوظائف العامة . كما اعتبر من أولى واجباته ، باعتباره المؤسسة الأم للرقابة على أعمال الإدارة ، والمستشار لمجلس الوزراء في حقل شؤون الوظيفة العامة ، أن يلفت نظر هذه المؤسسة الدستورية إلى ما يصدر عنها من قرارات في شأن الوظيفة العامة ، أو إجازة المباريات ، لا سيما عندما لا يتسنى له الإطلاع على رأي مجلس الخدمة المدنية بشأنها ، ويطلب منها إعادة النظر بها ، وكان مجلس الوزراء مستجيباً في كل مرة، نظراً للثقة الكبيرة التي يوليها لمجلس الخدمة المدنية ، ومن الأمثلة على ذلك الأخذ برأي المجلس بعدم إجراء مباراة على أساس الألقاب لمحرريين مفتشين من الفئة الرابعة في وزارة السياحة أو لاختصاصيين في مجالات المعلوماتية للعمل لدى مصلحة المركز الآلي الجمركي في مديرية الجمارك العامة ، بما يطيح بالمبادىء والأصول التي ترعى إجراء المباريات ، ولا سيما مبدأ التنافس والشفافية والحياد والتجرد .



- تنفيذ آلية التعيينات في الفئة الأولى :

منذ اللحظة التي أقر فيها مجلس الوزراء آلية التعيينات في الفئة الأولى في الإدارات العامة والمؤسسات العامة والترفيع من الفئة الثالثة للفئة الثانية ، وإعداد تقرير عن واقع الموضوعين بالتصرف ، قام مجلس الخدمة المدنية ، وخلال زمن قياسي بجهد جبار ، وبالتعاون مع وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية والتفتيش المركزي وديوان المحاسبة والهيئة العليا للتأديب ، بإعداد لوائح الموظفين المعنيين بالأمر ، وتبليغها ضمن المهل المحددة في الآلية ، إلى كل الوزراء ، وفي المراحل جميعها بدون انتظار الانتهاء من مرحلة للبدء بالمرحلة التي تليها ، كما وضع المجلس تقريراً شاملاً يبين فيه واقع الموضوعين بالتصرف والحلول التي يراها لحل مشكلتهم المزمنة .

ولم يتوان المجلس عن تهيئة كل الترتيبات والظروف للبدء بأعمال اللجنة التي كلفها مجلس الوزراء ، وفقاً للآلية ، والمؤلفة من الوزير المختص ورئيس مجلس الخدمة المدنية وممثل عن وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية ، بإجراء المقابلات. وتولى المجلس إعداد لوائح المرشحين وتبليغهم الدعوات بصورة منتظمة ، للمثول أمام اللجنة في مجلس الخدمة المدنية ، وبما يضمن حق كل المرشحين الذين تتوافر فيهم الشروط في التقدم إلى هذه المقابلات ، إلا من أعفى نفسه منها ، وبما يحفظ احترامهم وكرامتهم .

وقد حرصت اللجنة على وضع معايير موضوعية للتقييم ، وأجرت هذه المقابلات بتجرد وشفافية كاملة ، وكان التعاون بين أعضاء اللجنة على أعلى مستوى من التفاهم والاحترام والتجانس والموضوعية ، بحيث كانت تنتهي المقابلة ، بعد المداولة ، بإجماع على اختيار ثلاثة مرشحين ، كما تقضي بذلك آلية التعيين ، وقامت اللجنة بعدد لا بأس به من المقابلات ، إلا أن المؤسف في الأمر ، أن بعض الوزراء ، لم يسارع إلى التلبية ، لأسباب لا نعلمها ، وإن كان لا يفوتنا تقديرها ، على الرغم من أنهم كانوا يشكون من شواغر في إداراتهم مما أعاق عملية استكمال هذه المقابلات قبل أن تقدم الحكومة استقالتها ، وكانت إحدى ثمرات تنفيذ هذه الآلية تعيين مدير عام لوزارة الصناعة .

وحرص مجلس الخدمة المدنية على إجراء مباريات على مدار السنة ، وفق جدول زمني محدد ، لملء الشواغر الكثيرة في الإدارات العامة ، وفي المؤسسات العامة والبلديات ، ولإطلاق عجلة العمل فيها . ولقد تمكن المجلس من إنجاز هذه المباريات ، بالمستوى المؤمل والمطلوب ، وأعلن نتائجها وأبلغها إلى الإدارات المعنية ضمن المهل المحددة .

هذا ، وإن المجلس قد قام بإعداد مشروع مرسوم يرمي إلى تعيين المحررين الناجحين في المباراة التي أجراها وعددهم ( 445 محرراً ) تم توزيعهم على الإدارات العامة وفقاً لمعايير ثلاثة :

- احترام تراتبية النجاح .

- احتياجات الإدارات ضمن المراكز الشاغرة .

- الحرص على التنوع داخل كل إدارة .

ولقد لقي إصدار هذا المرسوم ، استناداً إلى المعايير المذكورة ، ارتياحاً لدى جميع المعنيين بالأمر .

ولكن المؤسف في الموضوع ، أن بعض الإدارات ، ولا سيما المؤسسات العامة ، والاستشفائية منها بنوع خاص، تتلكأ في التعيين وتتأخر أو تتمهل التعيين متعمدة إسقاط حق الناجحين في التعيين ضمن المهل المعتمدة في القوانين والأنظمة ، وتبقي هذه المراكز شاغرة أو تلجأ إلى أسلوب التكليف ، وهو مخالف للقانون في إشغال هذه الوظائف . وإزاء مراجعة بعض الناجحين لمجلس الخدمة المدنية في هذا الأمر ، حاول المجلس التدخل لدى هذه الإدارات المختصة لمعالجة الأمر ، والمشكلة أنه ليس لديه الوسيلة القانونية الناجعة لوضع حد لهذا الإمعان في تضييع حقوق الناجحين وهو بصدد إيجاد المعالجة القانونية لذلك .

وفي معرض ممارسة رقابته على قرار مجلس بلدية بيروت رقم 651 تاريخ 4/8/2010 الرامي إلى الموافقة على ملء ثلاثين وظيفة من الوظائف الشاغرة في ملاكاتها عن طريق التعاقد توخياً لتأمين توازن وطني يتيح تعيين الناجحين في المباريات التي أجراها مجلس الخدمة المدنية ، وحرصاً منه على حماية حقوق الناجحين في المباراة ، أصرّ المجلس على ما يأتي:

« لما كانت لوائح الناجحين في المباريات التي تجري لتعيين موظفين في ملاكات بلدية بيروت تستنفذ مفعولها بانتهاء مدة السنتين من تاريخ إعلان هذه اللوائح وفق ما نص عليه نظام بلدية بيروت ، ويقتضي بالتالي على الإدارة البلدية ، الشروع في تعيين الناجحين في المباراة التي أجراها مجلس الخدمة المدنية والمعلنة نتائجها بالقرارين رقم 92/ تاريخ 6/2/2009 ورقم 99/2 تاريخ 12/2/2009 قبل استنفاذ لائحة الناجحين لمفعولها وقد شارفت على نهايتها ، ليصار بعد ذلك العمل على تنفيذ قرار مجلس الوزراء رقم 39 تاريخ 12/5/2010 مراعاة لمقتضيات الوفاق الوطني » .

كما أن مجلس الخدمة المدنية ، وبمناسبة رقابته على مشاريع عقود عرضت عليه للموافقة على تعاقد بلدية بيروت مع 81 شخصاً في وظائف متنوعة ، دون مباراة ، توخياً للتوازن الوطني المشار إليه أعلاه ، تبين له أن بعض العقود تناولت أسماء مرشحين رسبوا في المباراة التي أجراها مجلس الخدمة المدنية لإشغال تلك الوظائف في حين تم استبعاد بعض من نجحوا في هذه المباراة من الطوائف ذاتها ، فكان موقف المجلس قاطعاً برفض الموافقة ، ومما جاء في كتابه رقم 3861 تاريخ 28/10/2010 في هذا الشان :

« لما كان يتبين أن عدداً من الأشخاص المقترح التعاقد معهم سبق لهم أن تقدموا للمباريات التي أجراها مجلس الخدمة المدنية لملء بعض الوظائف الشاغرة في بلدية بيروت والمعلنة نتائجها بالقرارين رقم 92/ تاريخ 6/2/2009 ورقم 99/2 تاريخ 12/2/2009 ورسبوا في هذه المباريات وهم ..... في حين أن بعض الناجحين في الوظائف المقترح التعاقد عليها والمبينة في الجدول أعلاه قد استبعدوا من التعيين أو من التعاقد رغم توفر المراكز الشاغرة في هذه الوظائف ، وهم من الطوائف ذاتها للراسبين المشار إليهم آنفاً ، الأمر الذي يشكل مخالفة صارخة لأحكام الدستور ( المادة 12 ) وللقانون وللمبادىء القانونية العامة ، ولأبسط قواعد العدالة والإنصاف ، ولا يمكن لمجلس الخدمة المدنية بالتالي إلا أن يتوقف ملياً عند هذا الموضوع ويلفت النظر إليه إحقاقاً للحق » .

- دور المعهد الوطني للإدارة :

إن دور المعهد الوطني للإدارة هو أساسي في إعداد القيادات الإدارية الكفوءة والمتخصصة ورفد الإدارة بها ، وكذلك في تدريب الموظفين المستمر خلال حياتهم الوظيفية .

إلا أنه من المؤسف والمؤلم معاً أن هذا المعهد لم يقم بدوره المزدوج هذا منذ تاريخ إنشائه سنة 2001 حتى الآن، لأسباب عديدة ، باتت معروفة ، والمعهد يشكو منذ زمن بعيد ، بفراغ على مستوى مجلس الإدارة ورئيسه والمدير العام ، ولقد عمل مجلس الخدمة المدنية على تنشيط دور هذا المعهد ، وذلك من خلال إجراء دورات تدريبية لموظفي بعض الوزارات ، لحين تشكيل مجلس إدارة جديد يستطيع أن يقوم بهذه المهمة الرائدة التي يعمل عليها مجلس الخدمة المدنية .

ولكن لا بد من التنبيه أن تعطيل أعمال المعهد كان له دور سلبي وخطير على سير العمل في الإدارات العامة وعلى الإنتاج ومستوى العمل وعلى استشراء الفساد فيها وذلك لسببين :

الأول : أن عدم إجراء دورات إعداد لتعيين موظفين في المراكز القيادية الشاغرة في الفئة الثالثة ، فضلاً عن لجوء المسؤولين في الإدارات العامة إلى اعتماد أسلوب تكليف موظفين من الفئة الرابعة لإشغال هذه الوظائف ، والذي يشكل مخالفة للقانون ، قد أدى إلى تراجع مستوى الأداء في العمل وضياع المسؤولية ، لا سيما وأن هذا التكليف لا يراعي معايير الكفاءة والإنتاجية والموضوعية ، ولكنه يأتي على حساب كل هذه القيم .

الثاني : إن عدم قيام المعهد بمهمة التدريب المستمر للعاملين في إدارات الدولة ، قد أدى بدوره إلى عدم تجديد معارف ومعلومات هؤلاء العاملين ، بما ا نعكس على مستوى الأداء والعمل في هذه الإدارات .

سيعمل مجلس الخدمة المدنية ، من خلال المعهد الوطني للإدارة بعد تأهيله وتفعيله على إعداد القيادات الإدارية الغنية بالعلم والمعرفة ، والمفعمة بالحماس والاندفاع للخدمة العامة ، والمتحررة من الضغوطات والانتماءات الضيقة ، وهو ما نسعى إليـه ، وعلى تدريب الموظفين والعاملين في إدارات الدولة ومؤسساتها العامة والبلديات ، لكي تنهض الإدارة وتشكل القاطرة للعمل الحكومي .

ولا بد من الإشارة إلى أن المجلس كان شديد الحرص على إفادة الموظفين من المنح الدراسية والدورات التدريبية التي تنظمها الدول أو المؤسسات الدولية ، فأوفد العديد منهم ، ممن تتوفر فيهم الشروط المطلوبة للمشاركة فيها ، نظراً لما تحققه لهم من إطلاع على تجارب الآخرين في حقل الوظيفة العامة والتنمية الإدارية ، وبالتالي توسيع معارفهم ومعلوماتهم وإغناء ثقافتهم العامة .

ولا بد من الاعتراف بأن الوظيفة العامة تتعرض لتحديات لا بد من مواجهتها بإيجاد الحلول المناسبة ، ولعل في طليعتها التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر على كرامة الوظيفة العامة وعلى ولاء الموظف للدولة ومعالجة مسألة الفساد في الإدارة ، مما يتطلب إعادة النظر بالرواتب لكي تتلاءم مع الأوضاع المعيشية والحياتية التي تضغط على كاهل الموظف وتنعكس سلباً على الأداء العام .

وفي الخلاصــة ،

سيحرص المجلس على بث روح جديدة في الإدارة ، ترتكز على قيم الجدارة والتفوق والمسؤولية وأخلاقيات العمل والخدمة العامة ، والالتزام بالقوانين والأنظمة ، بما يحقق المساواة وتكافؤ الفرص ويعزز الديموقراطية السليمة ، إلى جانب دور هيئات الرقابة الأخرى التي تلعب دوراً هاماً في تنقية الإدارة وضبط عملها وتحسين الأداء الإداري .

لن نعجز إذا كانت لدينا الإرادة والعزيمة ، ولن نفشل إذا ما التزمنا في أعمالنا وسلوكياتنا بتطبيق القوانين والأنظمة ، ولن نسقط إذا ما تمسكنا بقيم الحق والعدالة والمساواة وما تستوجبه مواطنيتنا من حرص على الخدمة العامة والمصلحة العامة بتجرد وحياد وموضوعية وأولوية الانتماء إلى الوطن والدولة .

بيروت ، في 12/3/2011             
رئيس مجلس الخدمة المدنية           
د. خالد قبانـي